في ظلمةِ النّهارِ غيرِ الاعتيادية ، والتي هي
من سماتِ الليل ، وفي وقتٍ شارفَ النّهارُ فيهِ على الرحيل ، وبدأ الليلُ يُهيئُ نفسَهُ
ليُرخي سُدولَهُ ، وإذ بنا كما الآخرين ، نَترقّبُ المنخفضَ الجويَّ العميق ، الذي
ما انفكّت وسائلُ الإعلامِ تتحدثُ عنه ، وتحذّرُ من آثاره ، وتوعّي المواطنين بكيفيةِ
التعامُلِ معه ، وفي غمارِ هذه اللحظات ؛ قطراتُ ماءٍ تبدأ بالتساقُطِ على استحياء
، تشتدُّ شيئاً فشيئاً ، يرتفعُ صوتُ وقعِها ليتسلّلَ إلى أذني ، السماءُ اسوَدَّت
، الغيومُ تكاثفت ، الريحُ تزأر ، وفجأةً توقّف سقوطُ المطر ، وخفَتَ صوتُ الريح ،
ثمّ عادَ ليعلو تدريجياً ، وما هي إلا ثوانٍ قليلة ، وإذ بالريحِ تشتدُّ مرّةً أخرى
، ويعلو صوتُها ليتسلّلَ من جديدٍ عبرَ شِقٍّ رقيقٍ في النافذة ، ليجِدَ له مكاناً
في أذني ، وظلّ الوضعُ هكذا حتى استقامَ أمرُه ، بل لم يستَقِم ، فالرّيحُ تدفعُ ذراتِ
الماءِ المتساقطةِ ، لتبدو وكأنها سحبُ دخانٍ تلوحُ في السماء ، وقفتُ على النافذةِ
لألقي نظرةً إلى الخارجِ عن كثب ، فوقعَ نظري على تلكَ الدوائرِ التي ما زالت ترسمها
قطراتُ الماءِ المتساقطةِ على الأرض ، وفجأةً ودونَ سابقِ إنذار ، يدوّي صوتُ رعدٍ
هو أيضاً على استحياء ، ولعلّهُ يعطي إنذاراً برعدٍ آخرَ قادمٍ هو أشدُّ قوّةً كما
الريح ، وبالفعل ؛ ما هي إلا دقائقُ قليلةٌ وإذ بصوتِ رعدٍ أشدُّ قوةً من سابقهِ يدوّي
صداهُ في أذني ، يا لهُ من رعد
!
صوتُ وقعِ الماءِ النازلِ من مزرابِ سطحِ المصيفِ
الذي أجلسُ فيه ، مع صوتِ احتكاكِ الهواءِ بشباكِ المصيفِ الذي يشبهُ صوتَ عزفِ كمانٍ
قديم ، يشكّلانِ لوحةً فنيةً تكونت معالِمُها من شواهدِ هذه الطبيعةِ التي لفظت كلَّ
ما هو صناعي ، واعتمدت في تكوينها على عناصرِ الطبيعةِ فقط .
إنّه الشتاء ، الذي يُطِلُّ علينا في كلِّ عامٍ بوجههِ السّمح ، حاملاً
معهُ الخيراتِ والبركات ، من ربِّ الأرضِ والسماوات
بقلم: عبد السلام طنينة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق