السبت، 23 يناير 2016

شتاء


     في ظلمةِ النّهارِ غيرِ الاعتيادية ، والتي هي من سماتِ الليل ، وفي وقتٍ شارفَ النّهارُ فيهِ على الرحيل ، وبدأ الليلُ يُهيئُ نفسَهُ ليُرخي سُدولَهُ ، وإذ بنا كما الآخرين ، نَترقّبُ المنخفضَ الجويَّ العميق ، الذي ما انفكّت وسائلُ الإعلامِ تتحدثُ عنه ، وتحذّرُ من آثاره ، وتوعّي المواطنين بكيفيةِ التعامُلِ معه ، وفي غمارِ هذه اللحظات ؛ قطراتُ ماءٍ تبدأ بالتساقُطِ على استحياء ، تشتدُّ شيئاً فشيئاً ، يرتفعُ صوتُ وقعِها ليتسلّلَ إلى أذني ، السماءُ اسوَدَّت ، الغيومُ تكاثفت ، الريحُ تزأر ، وفجأةً توقّف سقوطُ المطر ، وخفَتَ صوتُ الريح ، ثمّ عادَ ليعلو تدريجياً ، وما هي إلا ثوانٍ قليلة ، وإذ بالريحِ تشتدُّ مرّةً أخرى ، ويعلو صوتُها ليتسلّلَ من جديدٍ عبرَ شِقٍّ رقيقٍ في النافذة ، ليجِدَ له مكاناً في أذني ، وظلّ الوضعُ هكذا حتى استقامَ أمرُه ، بل لم يستَقِم ، فالرّيحُ تدفعُ ذراتِ الماءِ المتساقطةِ ، لتبدو وكأنها سحبُ دخانٍ تلوحُ في السماء ، وقفتُ على النافذةِ لألقي نظرةً إلى الخارجِ عن كثب ، فوقعَ نظري على تلكَ الدوائرِ التي ما زالت ترسمها قطراتُ الماءِ المتساقطةِ على الأرض ، وفجأةً ودونَ سابقِ إنذار ، يدوّي صوتُ رعدٍ هو أيضاً على استحياء ، ولعلّهُ يعطي إنذاراً برعدٍ آخرَ قادمٍ هو أشدُّ قوّةً كما الريح ، وبالفعل ؛ ما هي إلا دقائقُ قليلةٌ وإذ بصوتِ رعدٍ أشدُّ قوةً من سابقهِ يدوّي صداهُ في أذني ، يا لهُ من رعد !
     صوتُ وقعِ الماءِ النازلِ من مزرابِ سطحِ المصيفِ الذي أجلسُ فيه ، مع صوتِ احتكاكِ الهواءِ بشباكِ المصيفِ الذي يشبهُ صوتَ عزفِ كمانٍ قديم ، يشكّلانِ لوحةً فنيةً تكونت معالِمُها من شواهدِ هذه الطبيعةِ التي لفظت كلَّ ما هو صناعي ، واعتمدت في تكوينها على عناصرِ الطبيعةِ فقط .
إنّه الشتاء ، الذي يُطِلُّ علينا في كلِّ عامٍ بوجههِ السّمح ، حاملاً معهُ الخيراتِ والبركات ، من ربِّ الأرضِ والسماوات   

بقلم: عبد السلام طنينة  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق